فصل: تفسير الآية رقم (69)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏43‏]‏

‏{‏وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ‏(‏43‏)‏‏}‏

‏{‏وَتِلْكَ الامثال‏}‏ أي هذا المثل ونظائره من الأمثال المذكورة في الكتاب العزيز‏.‏

نَضْربُهَا للنَّاس‏}‏ تقريباً لما بعد من أفهامهم ‏{‏‏}‏ تقريباً لما بعد من أفهامهم ‏{‏وَمَا يَعْقِلُهَا‏}‏ على ما هي عليه من الحسن واستتباع الفوائد ‏{‏إِلاَّ العالمون‏}‏ الراسخون في العلم المتدبرون في الأشياء على ما ينبغي‏.‏ وروي محيي السنة بسنده عن جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية ‏{‏وَتِلْكَ الامثال‏}‏ الآية فقال العالم من عقل عن الله تعالى فعمل بطاعته واجتنب سخطه»‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏44‏]‏

‏{‏خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ‏(‏44‏)‏‏}‏

‏{‏خَلَقَ الله السموات والارض بالحق‏}‏ أي محقا مراعيا للحكم والمصالح على أنه حال من فاعل خلق أو ملتبسة بالحق الذي لا محيد عنه مستتبعة للمنافع الدينية والدنيوية على أنها حال من مفعوله‏.‏ فإنها مع اشتمالها على جميع ما يتعلق به معاشهم شواهد دالة على شؤونه تعالى المتعلقة بذاته سبحانه وصفاته كما يفصح عنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ دالة لهم على ما ذكر من شؤونه عز وجل، وتخصيص المؤمنين بالذكر مع عموم الهداية والإرشاد في خلقهما للكل لأنهم المنتفعون بذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏45‏]‏

‏{‏اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ‏(‏45‏)‏‏}‏

‏{‏اتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب‏}‏ أي دم على تلاوة ذلك تقرباً إلى الله تعالى بتلاوته وتذكرا لما في تضاعيفه من المعاني وتذكيراً للناس وحملا لهم على العمل بما فيه من الأحكام ومحاسن الآداب ومكارم الأخلاق ‏{‏وَأَقِمِ الصلاة‏}‏ أي داوم على إقامتها، وحيث كانت الصلاة منتظمة للصلوات المكتوبة المؤداة بالجماعة وكان أمره صلى الله عليه وسلم بإقامتها متضمناً لأمر الأمة بها علل بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏اتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب‏}‏ كأنه قيل‏:‏ وصل بهم إن الصلاة تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، ومعنى يهيها إياهم عن ذلك أنها لتضمنها صنوف العبادة من التكبير والتسبيح والقراءة والوقوف بين يدي الله عز وجل والركوع والسجود له سبحانه الدال على غاية الخضوع والتعظيم كأنها تقول لمن يأتي بها لا تفعل الفحساء والمنكر ولا تعص ربا هو أهل لما أتيت به، وكيف يليق بك أن تفعل ذلك وتعصيه عز وجل وقد أتيت مما يدل على عظمته تعالى وكبريائه سبحانه من الأقوال والأفعال بما تكون به أن عصيت وفعلت الفحشاء أو المنكر كالمتناقض في أفعاله، وبما ذكر ينحل الأشكال المشهور وهو أنا نرى كثيراً من المرتكبين للفحشاء والمنكر يصلون ولا ينتهون عن ذلك، فإن نهيها إياهم عن الفحساء وانكر بهذا المعنى لا يستلزم انتهاءهم‏.‏ ألا ترى أن الله تعالى ينهى عن ذلك أيضاً كما قال سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان وَإِيتَآء ذِى القربى وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر والبغى‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 90‏]‏ والناس لا ينتهون وليس نهى الصلاة بأعظم من نهيه سبحانه وتعالى، فإذا لم يكن هناك استلزام فكيف يكون هنا‏.‏ وما أرى هذا الإشكال إلا مبنياً على توهم استلزام النهي للانتهاء، وهو توهم باطل وتخيل عاطل لا يشهد له عقل ولا يأيده نقل‏.‏ ونقل أبو حيان عن ابن عباس‏.‏ والكلبي‏.‏ وابن جريج‏.‏ وحماد بن أبي سليمان أن الصلاة تنهى عن ذلك ما دام المصلي فيها، وكأنهم أرادوا أنها كالناهية للمصلي القائلة له لا تفعل ذلك ما دام فيها لأنه إذا فرغ منها فقد انقطعت الأقوال والأفعال التي كان النهي بما تدل عليه من العظمة والكبرياء‏.‏ ونقل عن القطب أنه قال في جواب الاشكال‏:‏ إن الصلاة تقام لذكر الله تعالى كما قال عز من قائل‏:‏ ‏{‏أَقِمِ الصلاة لِذِكْرِى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 14‏]‏ ومن كان ذاكراً لله عز وجل منعه ذلك عن الاتيان بما يكرهه منه تعالى مما قل أو كثر وكل من تراه يصلي ويأتي الفحشاء والمنكر فهو بحيث لو لم يكن يصلي لكان أشد اتياناً فقد أثرت الصلاة في تقليل فحشائه ومنكره، وهو كما ترى، وقيل‏:‏ إن المراد أن الصلاة سبب للانتهاء عن ذلك، وليس هذا كلياً لما أن الصلاة في حكم النكرة وهي في الإثبات لا يجب أن تعم فينحل الإشكال، وعلى ما قلنا لا يضر دعوى الكلية‏.‏

نعم النهي الذي ذكرناه يتفاوت بحسب تفاوت أداء الصلاة فهوي في صلاة أديت على أتم ما يكون من الخشوع والتدبر لما يتلى فيها مع الاتيان بفروضها وواجباتها وسننها وآدابها على أحسن أحوالها أتم، وقد يضعف النهي فيما حتى كأنها لا تنهى كما في الصلاة التي تؤدي مع الغفلة التامة والاخلال بما يليق فيها وهي الصلاة المردودة التي تلف كما يلف الثوب الخلق ويرمي بها وجه صاحبها فتقول له‏:‏ ضيعك الله تعالى كما ضيعتني، وكأن مراد القائل‏:‏ إن المراد بالصلاة التي تنهى عما ذكر هي الصلاة المقبولة هو هذا‏.‏

وقد يجعل الانتهاء علامة القبول‏.‏ روي بعض الإمامية عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه قال‏:‏ من أحب أن يعلم قبلت صلاته أم لم تقبل فلينظر هل منعته عن الفحشاء والمنكر فبقدر ما منعته قبلت منه، وأخرج عبد بن حميد‏.‏ وابن جرير‏.‏ والبيهقي في شعب الإيمان عن الحسن قال‏:‏ ‏"‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له ‏"‏ وفي لفظ ‏"‏ لم يزدد بها من الله تعالى إلا بعدا ‏"‏ وأخرجه بهذا اللفظ ابن أبي حاتم‏.‏ والطبراني‏.‏ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة‏.‏ وعبد بن حميد‏.‏ وابن جرير‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم‏.‏ والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال له‏:‏ إن فلاناً يطيل الصلاة فقال‏:‏ إن الصلاة لا تنفع إلا من أطاعها ثم قرأ ‏{‏اتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب‏}‏ وقد يتفق لمن يكثر الصلاة أن تقع بعض صلاته على الوجه اللائق فتقبل لطفاً من الله تعالى وكرماً، ويظهر أثر ذلك بالانتهاء عن المعاصي، ويشير إلى هذا ما أخرج أحمد‏.‏ وابن حبان‏.‏ والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إن فلاناً يصلي بالليل فإذا أصبح سرق قال سينهاه ما تقول» وأصرح منه فيما ذكرنا ما روي أن فتى من الأنصار كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ولا يدع شيئاً من الفواحش إلا ركبه فوصف له، فقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ إن صلاته ستنهاه» فلم يلبث إلا أن تاب‏.‏ إلا أن ابن حجر ذكر فيه أنه لم يجده في كتب الحديث‏.‏ ثم إن حمل الصلاة في الآية على الصلاة المعروفة هو الظاهر المؤيد بالآثار والأخبار الصحيحية، وأخرج ابن جرير عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن المراد بها هنا القرآن، وقال ابن بحر‏:‏ إن المراد بها الدعاء أي أقم الدعاء إلى أمر الله تعالى إن الدعاء إلى أمره سبحانه ينهى عن الفحشاء والمنكر، وكل منهما عدول عن الظاهر من غير داع‏.‏

وأخرج عبد بن حميد‏.‏ وابن المنذر‏.‏ عن الربيع بن أنس أنه كان يقرأ ‏{‏اتل مَا ذِى القربى وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر‏}‏ ‏{‏وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ‏}‏ قال ابن عباس‏.‏ وابن مسعود‏.‏ وابن عمر‏.‏ وأبو قرة‏.‏ ومجاهد‏.‏ وعطية‏:‏ المعنى لذكر الله تعالى إياكم أكبر من ذكركم إياه سبحانه، وفي لفظ لذكر الله تعالى العبد أكبر من ذكر العبد لله تعالى، وعن ابن عباس أنه قال ذلك ثم قرأ ‏{‏اذكرونى أَذْكُرْكُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 152‏]‏‏.‏

وأخرج عبد بن حميد‏.‏ وابن جرير عن أبي مالك أنه قال ذكر الله تعالى العبد في الصلاة أكبر من الصلاة، فذكر مصدر مضاف إلى الفاعل والمفعول محذوف وكذا المفضل عليه وهو خاص على ما سمعت، وجوز أن يكون عاماً أي أكبر من كل شيء، وقيل‏:‏ المعنى ولذكر العبد لله تعالى في الصلاة أكبر من سائر أركان الصلاة، وقيل‏:‏ أي ولذكر العبد لله تعالى في الصلاة أكبر من ذكره إياه سبحانه خارج الصلاة، وقيل‏:‏ أي ولذكر العبد لله تعالى أكبر من سائر أعماله، وروي عن جماعة من السلف ما يقتضيه‏.‏ أخرج أحمد في الزهد‏.‏ وابن المنذر عن معاذ بن جبل قال‏:‏ «ما عمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله تعالى من ذكر الله تعالى، قالوا‏:‏ ولا الجهاد في سبيل الله تعالى قال‏:‏ ولا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع لأن الله تعالى يقول في كتابه ‏{‏وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ‏}‏‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة‏.‏ وابن جرير عن أبي الدرداء قال‏:‏ «ألا أخبركم بخير أعمالكم وأحبها إلى مليككم وأسماها في درجاتكم وخير من أن تغزوا عدوكم فيضربوا رقابكم وتضربوا رقابهم وخير من إعطاء الدنانير والدراهم قالوا‏:‏ وما هو يا أبا الدرداء‏؟‏ قال ذكر الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ‏}‏»‏.‏ وأخرج ابن جرير عن سلمان أنه سئل أي العمل أفضل‏؟‏ قال‏:‏ أما تقرأ القرآن‏؟‏ ‏{‏وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ‏}‏ لا شيء أفضل من ذكر الله، ونسب في البحر إلى أبي الدرداء‏.‏ وسلمان رضي الله تعالى عنهما القول الذي ذكرناه أولاً عمن سمعت، ولعل ذلك إحدى روايتين عنهما، وجاء عن ابن عباس أيضاً رواية تشعر بأن المراد بذكر الله تعالى ذكر العبد له سبحانه‏.‏

أخرج سعيد بن منصور‏.‏ وابن أبي شيبة‏.‏ وابن المنذر‏.‏ والحاكم في الكنى‏.‏ والبيهقي في شعب الإيمان عن عنترة قال‏:‏ قلت لابن عباس رضي الله تعالى عنهما أي العمل أفضل‏؟‏ قال‏:‏ ذكر الله أكبر وما قعد قوم في بيت من بيوت الله تعالى يدرسون كتاب الله ويتعاطونه بينهم إلا أظلتهم الملائكة بأجنحتها وكانوا أضياف الله تعالى ما داموا فيه حتى يفيضوا في حديث غيره وما سلك رجل طريقاً يلتمس فيه العلم الاسهل الله تعالى له طريقاً إلى الجنة‏.‏

وقيل‏:‏ المراد بذكر الله الصلاة كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاسعوا إلى ذِكْرِ الله‏}‏ ‏[‏الجمعة‏:‏ 9‏]‏ أي وللصلاة أكبر من سائر الطاعات وإنما عبر عنها به للإيذان بأن ما فيها من ذكر الله تعالى هو العمدة في كونها مفضلة على الحسنات ناهية عن السيئات، وقيل‏:‏ المعنى ولذكر الله تعالى عند الفحشاء والمنكر، وذكر نهيه عنهما ووعيده عليهما أكبر في الزجر من الصلاة، ‏{‏فَذَكّرْ‏}‏ على هذه الأقوال مصدر مضاف للمفعول والمفضل عليه محذوف، وجوز أن لا يكون أفعل للتفضيل سواء كانت إضافة المصدر للفاعل أم للمفعول كما في الله أكبر ‏{‏والله يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ‏}‏ من الخير والطاعة فيجازيكم بذلك أحسن المجازاة، وقال أبو حيان‏:‏ ‏{‏يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ‏}‏ من الخير والشر فيجازيكم بحسبه ففيه وعد ووعيد وحث على المراقبة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏46‏]‏

‏{‏وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ‏(‏46‏)‏‏}‏

‏{‏وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب‏}‏ من اليهود والنصارى، وقيل‏:‏ من نصارى نجارن ‏{‏إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ‏}‏ أي بالخصلة التي هي أحسن كمقابلة الخشونة باللين، والغضب بالكظم، والمشاغبة بالنصح، والسورة بالإناة كما قال سبحانه‏:‏ ‏{‏ادفع بالتى هِىَ أَحْسَنُ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 6 9‏]‏ ‏{‏إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ‏}‏ بالافراد في الاعتداء والعناد، ولم يقبلوا النصح، ولم ينفع فيهم الرفق فاستعملوا معهم الغلظة‏.‏

وأخرج ابن جرير عن مجاهد أن الذين ظلموا هم الذين أثبتوا الولد والشريك أو قالوا يد الله تعالى مغلولة، أو الله سبحانه فقير، أو آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الغلظة التي نفهم الآية الاذن بها لا تصل إلى القتال لأولئك الظالمين من أهل الكتاب على أي وجه من الوجوه المذكورة كان ظلمهم لأن ظاهر كون السورة مكية أن هذه الآية مكية، والقتال في المشهور لم يشرع بمكة وليست الغلظة محصورة فيه كما لا يخفى، وقيل‏:‏ المعنى ولا تجادلوا الداخلين في الذمة المؤدين للجزية إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا فنبذوا الذمة ومنعوا الجزية فإن أولئك مجادلتهم بالسيف‏.‏

وأخرج ابن جرير‏.‏ وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ما يقرب منه، وتعقب بأن السورة مكية والحرب والجزية مما شرع بالمدينة، وكون الآية بياناً لحكم آت بعد بعيد وأيضاً لا قرينة على التخصيص‏.‏

وقيل‏:‏ يجوز أن يكون القائل بذلك ذاهباً إلى أن الآية مدنية ومكبة السورة باعتبار أغلب آياتها؛ أو ممن يقول‏:‏ بأن الحرب شرع بمكة في آخر الأمر، والسورة آخر ما نزل بها إلا أنه لم يقع وعدم الوقوع لا يدل على عدم المشروعية‏.‏

وعن ابن زيد أن المراد بأهل الكتاب مؤمنو أهل الكتاب وبالتي هي أحسن موافقتهم فيما حدثوا به من أخبار أوائلهم وبالذين ظلموا من بقي منهم على كفره وهو كما ترى، واختلف في نسخ الآية‏.‏ فأخرج أبو داود في ناسخه‏.‏ وابن جرير‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم‏.‏ وابن الأنباري في المصاحف عن قتادة أنه قال‏:‏ نهى في هذه الآية عن مجادلة أهل الكتاب، ثم نسخ ذلك فقال سبحانه‏:‏ ‏{‏قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الاخر‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 9 2‏]‏ الآية ولا مجادلة أشد من السيف، وقال في مجمع البيان‏:‏ الصحيح أنها غير منسوخة لأن المراد بالجدال المناظرة وذلك على الوجه الأحسن هو الواجب الذي لا يجوز غيره‏.‏

وقال بعض الأجلة‏:‏ إن المجادلة بالحسنى في أوائل الدعوة لأنها تتقدم القتال فلا يلزم النسخ ولا عدم القتال بالكلية، وأما كون النهي يدل على عموم الأزمان فيلزم النسخ فلا يتم ما ذكر فيدفعه أن من يقاتل كمانع الجزية داخل في المستثنى فلا نسخ وإنما هو تخصيص بمتصل، وكون ذلك يقتضي مشروعية القتال بمكة ليس بصحيح لأنه مسكوت عنه فتأمل‏.‏

وقرأ ابن عباس ‏{‏إِلاَّ بالتى‏}‏ الخ، على أن ‏{‏إِلا‏}‏ حرف تنبيه واستفتاح، والتقدير ألا جادلوهم بالتي هي أحسن ‏{‏وَقُولُواْ ءامَنَّا بالذى أُنزِلَ إِلَيْنَا‏}‏ من القرءان ‏{‏وَ‏}‏ الذي ‏{‏الذى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ‏}‏ أي وبالذي أنزل إليكم من التوراة والإنجيل، وهذا القول نوع من المجادلة بالتي هي أحسن، وعن سفيان بن حسين أنه قال‏:‏ هذه مجادلتهم بالتي هي أحسن‏.‏

وأخرج البخاري‏.‏ والنسائي‏.‏ وغيرهما عن أبي هريرة قال‏:‏ كان أهل الكتاب يقرؤون الكتاب بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا ءامنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم» الآية، والتصديق والتكذيب ليسا نقيضين فيجوز ارتفاعهما‏.‏

‏{‏وإلهنا وإلهكم وَاحِدٌ‏}‏ لا شريك له في الألوهية ‏{‏وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏}‏ أي مطيعون خاصة كما يؤذن بذلك تقديم ‏{‏لَهُ‏}‏، وفيه تعيرض باتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله تعالى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏47‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ ‏(‏47‏)‏‏}‏

‏{‏وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب‏}‏ تجريد للخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك إشارة إلى مصدر الفعل الذي بعده، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلة المشار إليه في الفضل أي مثل ذلك الإنزال البديع الشأن الموافق لإنزال سائر الكتب أنزلنا إليك القرءان الذي من جملته هذه الآية الناطقة بما ذكر من المجادلة بالتي هي أحسن، وقيل‏:‏ الإشارة إلى ما تقدم لذكر الكتاب وأهله أي وكما أنزلنا الكتاب إلى من قبلك أنزلنا إليك الكتاب‏.‏

‏{‏فالذين أُمُّ الكتاب‏}‏ من الطائفتين اليهود والنصارى على أن المراد بالكتاب جنسه الشامل للتوراة والإنجيل والكلام على ظاهره، وقيل‏:‏ هو على حذف مضاف أي آتيناهم على الكتاب ‏{‏يُؤْمِنُونَ بِهِ‏}‏ بالكتاب الذي أنزل إليك، وقيل‏:‏ الضمير له صلى الله عليه وسلم وهو كما ترى، والمراد بهم في قول من تقدم عهد النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك حيث كانوا مصدقين بنزول القرآن حسبما علموا مما عندهم من الكتاب، والمضارع لاستخصار تلك الصورة في الحكاية وتخصيصهم بإيتاء الكتاب للإيذان بأن ما بعدهم من معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزع عنهم الكتاب بالنسخ، وفي قول آخر معاصروه عليه الصلاة والسلام العاملون بكتابهم من عبد الله بن سلام وأضرابه، وتخصيصهم بإيتاء الكتاب لما أنهم هم المنتفعون به فكأن من عداهم لم يؤتوه، قيل‏:‏ هذا يؤيد القول‏:‏ بأن الآيات المذكورة مدنية إذ كونها مكية وعبد الله ممن أسلم بعد الهجرة بناء على أنه اعلام من الله تعالى بإسلامهم في المستقبل، والتفصيل باعتبار الإعلام بعيداً جداً، وجوز الطبرسي أن يراد بالموصول المسلمون من هذه الأمة وضمير ‏{‏بِهِ‏}‏ للقرآن، ولا يخفى ما فيه، ولعل الأظهر كون المراد به علماء أهل الكتابين الحريون بأن ينسب إليهم إيتاء الكتاب كعبد الله بن سلام‏.‏ وأضرابه، ولا بعد في كون الآيات مكية بناء على ما سمعت، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن إيمانهم به مترتب على إنزاله على الوجه المذكور ‏{‏وَمِنْ هَؤُلاء‏}‏ أي ومن العرب أو من أهل مكة على أن المراد بالموصول عبد الله‏.‏ وأضرابه، ولا بعد في كون الآيات مكية بناء على ما سمعت، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن إيمانهم به مترتب على إنزاله على الوجه المذكور ‏{‏وَمِنْ هَؤُلاء‏}‏ أي ومن العرب أو من أهل مكة على أن المراد بالموصول عبد الله‏.‏ واضرابه، أو ممن في عصره صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى على أن المراد به من تقدم ‏{‏مَن يُؤْمِنُ بِهِ‏}‏ أي بالكتاب الذي أنزل إليك، ‏{‏وَمِنْ‏}‏ على ما استظهره بعضهم تبعيضية واقعة موقع المبتدأ وله نظائر في الكتاب الكريم ‏{‏وَمَا يَجْحَدُ بئاياتنا‏}‏ أي ‏{‏وَمَا يَجْحَدُ‏}‏ به، وأقيم هذا الظاهر مقام الضمير للتنبيه على ظهور دلالة الكتاب على ما فيه وكونه من عند الله عز وجل، والإضافة إلى نون العظمة لمزيد التفخيم‏.‏

وفيما ذكر غاية التشنيع على من يجحد به‏.‏

والجحد كما قال الراغب‏:‏ نفي ما في القلب ثباته وإثبات ما في القلب نفيه، وفسر هنا بالإنكار عن علم فكأنه قيل‏:‏ وما ينكر آياتنا مع العلم بها ‏{‏إِلاَّ الكافرون‏}‏ أي المتوغلون في الكفر المصممون عليه فإن ذلك يمنعهم عن الإقرار والتسليم، وقيل‏:‏ يجوز أن يفسر بمطلق الإنكار، ويراد بالكافرين المتوغلون في الكفر أيضاً لدلالة فحوى الكلام، والتعبير بآياتنا على ذلك أي وما ينكر آياتنا مع ظهورها وارتفاع شأنها إلا المتوغلون في الكفر لأن ذلك يصدهم عن الاعتناء بها والالتفات إليها والتأمل فيما يؤديهم إلى معرفة حقيتها، والمراد بهم من اتصف بتلك الصفة من غير قصد إلى معين، وقيل‏:‏ هم كعب بن الأشرف‏.‏ وأصحابه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏48‏]‏

‏{‏وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ‏(‏48‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَا كُنْتَ تَتْلُواْ مِنْهُ قَبْلِهِ‏}‏ أي وما كنت من قبل أنزالنا إليك الكتاب تقدر على أن تتلو ‏{‏مِن كتاب‏}‏ أي كتاباً على أن ‏{‏مِنْ‏}‏ صلة ‏{‏وَلاَ تَخُطُّهُ‏}‏ ولا تقدر على أن تخطه ‏{‏بِيَمِينِكَ‏}‏ أو ما كانت عادتك أن تتلوه ولا تخطه، وذكر اليمين زيادة تصوير لما نفي عنه صلى الله عليه وسلم من الخط فهو مثل العين في قولك‏:‏ نظرت بعيني في تحقيق الحقيقة وتأكيدها حتى لا يبقى للمجاز مجاز ‏{‏إِذاً لارتاب المبطلون‏}‏ أي لو كنت ممن يقدر على التلاوة والخط أو ممن يعتادهما لارتاب مشركو مكة وقالوا‏:‏ لعله التقطه من كتب الأوائل، وحيث لم تكن كذلك لم يكن لارتيابهم وجه، وكأن احتمال التعليم مما لم يلتفت إليه لظهور أن مثله من الكتاب المفصل الطويل لا يتلقى ويتعلم إلا في زمان طويل بمدارسة لا يخفى مثلها، ووصف مشركي مكة بالإبطال باعتبار ارتيابهم وكفرهم وهو عليه الصلاة والسلام أمي فكأنه قيل‏:‏ اذن لارتاب هؤلاء المبطلون الآن وكان إذ ذاك‏.‏ لارتيابهم وجه، وقيل‏:‏ وصفهم بذلك باعتبار ارتيابهم، وهو صلى الله عليه وسلم أمي وباعتبار ارتيابهم وهو عليه الصلاة والسلام ليس بأمي أما كونهم مبطلين بالاعتبار الأول فظاهر، وأما كونهم كذلك بالاعتبار الثاني فلأن غاية ما يلزم من عدم أميته صلى الله عليه وسلم انتفاء أحد وجوه الاعجاز، ويكفي الباقي في الغرض فيكون المرتاب مبطلاً كالمرتاب في نبوة الأنبياء الذين لم يكونوا أميين وصحة ما جاؤوا به‏.‏

والأول أظهر، وكون المراد بالمبطلين مشركي مكة هو المروى عن مجاهد، وقال قتادة‏:‏ هم أهل الكتاب أي لو كنت تتلو من قبل أو تخط لارتاب أهل الكتاب لأن نعتك في كتابهم أمي، ووصفهم بالإبطال قيل‏:‏ باعتبار ارتيابهم وهو عليه الصلاة والسلام أمي كما هو الواقع، وإلا فهم ليسوا بمبطلين في ارتيابهم على فرض عدم كونه صلى الله عليه وسلم أمياً، وفي الكشف هذا فرض وتمثيل دلالة على أن مدار الأمر على المعجز، وان كونه عليه الصلاة والسلام أمياً لا يخط ليس مما لا يتم دعواه به، وتلك الدلالة لا تختلف والمنكر مبطل اه فتأمل‏.‏

هذا واختلف في أنه صلى الله عليه وسلم هل كان بعد النبوة يقرأ ويكتب أم لا‏؟‏ فقيل‏:‏ إنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يحسن الكتابة واختاره البغوي في التهذيب وقال‏:‏ إنه الأصح، وادعى بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم صار يعلم الكتابة بعد أن كان لا يعلمها وعدم معرفتها بسبب المعجزة لهذه الآية‏.‏ فلما نزل القرآن واشتهر الإسلام وظهر أمر الارتياب تعرف الكتابة حينئذ، وروي ابن أبي شيبة‏.‏

وغيره «ما مات صلى الله عليه وسلم حتى كتب وقرأ»‏.‏

ونقل هذا للشعبي فصدقه وقال‏:‏ سمعت أقواماً يقولونه وليس في الآية ما ينافيه، وروي ابن ماجه عن أنس قال‏:‏ ‏"‏ قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ رأيت ليلة أسري بي مكتوباً على باب الجنة الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر ‏"‏ والقدرة على القراءة فرع الكتابة ورد باحتمال أقدار الله تعالى إياه عليه الصلاة والسلام عليها بدونها معجزة أو فيه مقدر وهو فسألت عن المكتوب فقيل‏:‏ الخ، ويشهد للكتابة أحاديث في «صحيح البخاري»‏.‏ وغيره كما ورد في صلح الحديبية فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله الحديث، وممن ذهب إلى ذلك أبو ذر عبد بن أحمد الهروي‏.‏ وأبو الفتح النيسابوري‏.‏ وأبو الوليد الباجي من المغاربة، وحكاه عن السمناني، وصنف فيه كتاباً، وسبقه إليه ابن منية، ولما قال أبو الوليد ذلك طعن فيه ورمي بالزندقة وسب على المنابر ثم عقد له مجلس فأقام الحجة على مدعاه وكتب به إلى علماء الأطراف فأجابوا بما يوافقه، ومعرفة الكتابة بعد أميته صلى الله عليه وسلم لا تنافي المعجزة بل هي معجزة أخرى لكونها من غير تعليم، ورد بعض الأجلة كتاب الباجي لما في الحديث الصحيح إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، وقال‏:‏ كل ما ورد في الحديث من قوله‏:‏ كتب فمعناه أمر بالكتابة كما يقال‏:‏ كتب السلطان بكذا لفلان، وتقديم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مِن قَبْلِهِ‏}‏ على قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَخُطُّهُ‏}‏ كالصريح في أنه عليه الصلاة والسلام لم يكتب مطلقاً وكون القيد المتوسط راجعاً لما بعده غير مطرد، وظن بعض الأجلة رجوعه إلى ما قبله وما بعده فقال‏:‏ يفهم من ذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان قادراً على التلاوة والخط بعد إنزال الكتاب ولولا هذا الاعتبار لكان الكلام خلواً عن الفائدة، وأنت تعلم أنه لو سلم ما ذكره من الرجوع لا يتم أمر الإفادة إلا إذ قيل بحجية المفهوم والظان ممن لا يقول بحجيته، ولا يخفى أن قوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏"‏ إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ‏"‏ ليس نصاً في استمرار نفي الكتابة عنه عليه الصلاة والسلام، ولعل ذلك باعتبار أنه بعث عليه الصلاة والسلام وهو وكذا أكثر من بعث إليهم وهو بين ظهرانيهم من العرب أميون لا يكتبون ولا يحسبون فلا يضر عدم بقاء وصف الأمية في الأكثر بعد، وأما ما ذكر من تأويل كتب بأمر بالكتابة فخلاف الظاهر، وفي شرح «صحيح مسلم» للنواوي عليه الرحمة نقلاً عن القاضي عياض أن قوله في الرواية التي ذكرناها‏:‏ ولا يحسن يكتب فكتب كالنص في أنه صلى الله عليه وسلم كتب بنفسه فالعدول عنه إلى غيره مجاز لا ضرورة إليه ثم قال‏:‏ وقد طال كلام كل فرقة في هذه المسألة وشنعت كل فرقة على الأخرى في هذا فالله تعالى أعلم‏.‏

ورأيت في بعض الكتب ولا أدري الآن أي كتاب هو أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يقرأ ما يكتب لكن إذا نظر إلى المكتوب عرف ما فيه بأخبار الحروف إياه عليه الصلاة والسلام عن أسمائها فكل حرف يخبره عن نفسه أنه حرف كذا وذلك نظير أخبار الذراع اياه صلى الله عليه وسلم بأنها مسمومة‏.‏

وأنت تعلم أن مثل هذا لا يقبل بدون خبر صحيح ولم أظفر به‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏49‏]‏

‏{‏بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ ‏(‏49‏)‏‏}‏

‏{‏بَلْ هُوَ‏}‏ أي القرآن، وهذا اضراب عن ارتيابهم، أي ليس القرآن مما يرتاب فيه لوضوح أمره بل هو ‏{‏ءايات بَيّنَاتٍ‏}‏ واضحات ثابتة راسخة ‏{‏فِى صُدُورِ الذين أُوتُواْ العلم‏}‏ من غير أن يلتقط من كاتب يحفظونه بحيث لا يقدر على تحريفه بخلاف غيره من الكتب، وجاء في وصف هذه الأمة صدورهم أناجيلهم، وكون ضمير هو للقرآن هو الظاهر، ويؤيده قراءة عبد الله ‏{‏بَلْ هِىَ ءايات بَيّنَاتٍ‏}‏، وقال قتادة‏:‏ الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم وقرأ ‏{‏بَلْ هُوَ بَيّنَةً لّقَوْمٍ‏}‏ على التوحيد، وجعله بعضهم له عليه الصلاة والسلام على قراءة الجمع على معنى بل النبي وأموره آيات، وقيل‏:‏ الضمير لما يفهم من النفي السابق أي كونه لا يقرأ لا يخط آيات بينات في صدور العلماء من أهل الكتاب لأن ذلك نعت النبي عليه الصلاة والسلام في كتابهم، والكل كما ترى، وفي الأخير حمل ‏{‏الذين أُوتُواْ العلم‏}‏ على علماء أهل الكتاب وهو مروى عن الضحاك‏.‏ والأكثرون على أنهم علماء الصحابة أو النبي صلى الله عليه وسلم وعلماء أصحابه، وروي هذا عن الحسن‏.‏ وروي بعض الإمامية عن أبي جعفر‏.‏ وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهما أنهم الأئمة من آل محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏وَمَا يَجْحَدُ بئاياتنا‏}‏ مع كونها كما ذكر ‏{‏إِلاَّ الظالمون‏}‏ المتجاوزون للحد في الشر والمكابرة والفساد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏50‏]‏

‏{‏وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ‏(‏50‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالُواْ‏}‏ أي كفار قريش بتعليم بعض أهل الكتاب‏.‏

وقيل‏:‏ الضمير لأهل الكتاب ‏{‏لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايات مّن رَّبّهِ‏}‏ مثل ناقة صالح وعصا موسى، وقرأ أكثر أهل الكوفة ‏{‏ءايَةً‏}‏ على التوحيد ‏{‏قُلْ إِنَّمَا الايات عِندَ الله‏}‏ ينزلها حسبما يشاء من غير دخل لأحد في ذلك قطعاً ‏{‏وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ‏}‏ ليس من شأني إلا الإنذار بما أوتيت من الآيات لا الاتيان بما اقترحتموه فالقصر قصر قلب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏51‏]‏

‏{‏أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ‏(‏51‏)‏‏}‏

‏{‏أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ‏}‏ كلام مستأنف وارد من جهته تعالى رداً على اقتراحهم وبياناً لبطلانه والهمزة للإنكار والنفي والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أقصر ولم يكفهم ءاية مغنية عن سائر الآيات ‏{‏إِنَّا أَنزَلْنَا‏}‏ ‏{‏عَلَيْكَ الكتاب‏}‏ الناطق بالحق المصدق لما بين يديه من الكتب السماوية وأنت بمعزل من مدارستها وممارستها ‏{‏يتلى عَلَيْهِمْ‏}‏ تدوم تلاوته عليهم متحدين به فلا يزال معهم ءاية ثابتة لا تزول ولا تضمحل كما تزول كل ءاية بعد كونها، وقيل‏:‏ ‏{‏يتلى عَلَيْهِمْ‏}‏ أي أهل الكتاب بتحقق ما في أيديهم من نعتك ونعت دينك، وله وجه ان كان ضمير قالوا فيما تقدم لأهل الكتاب وأما إذا كان لكفار قريش فلا يخفى ما فيه‏.‏

‏{‏إِنَّ فِى ذَلِكَ‏}‏ أي الكتاب العظيم الشأن الباقي على ممر الدهور، وقيل‏:‏ الذي هو حجة بينة ‏{‏لَرَحْمَةً‏}‏ أي نعمة عظيمة ‏{‏وذكرى‏}‏ أي تذكرة ‏{‏لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏}‏ أي همهم الإيمان لا التعنت فالجار والمجرور متعلق بذكرى والفعل مراد به الاستقبال، ويجوز أن يكون ‏{‏رَحْمَةً وَذَكَرَ‏}‏ مما تنازعا في الجار والمجرور فيجوز أن يكون الفعل للحال، وأخرج الفريابي‏.‏ والدارمي‏.‏ وأبو داود في مراسيله‏.‏ وابن جرير‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم‏.‏ عن يحيى بن جعدة قال‏:‏ «جاء ناس من المسلمين بكتف قد كتبوا فيها بعض ما سمعوه من اليهود فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ كفى بقوم حمقاً أو ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم فنزلت‏:‏ ‏{‏أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب‏}‏ الآية» وأخرج الإسماعيلي في معجمه‏.‏ وابن مردويه عن يحيى هذا ما هو قريب مما ذكر مروياً عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه‏.‏ و‏{‏يُؤْمِنُونَ‏}‏ على هذا على ظاهره لا غير، وتعقب بأن السياق والسياق مع الكفرة وان الظاهر كون ‏{‏أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ‏}‏ الآية جواباً لقولهم‏:‏ ‏{‏لَوْلا أُنزِلَ‏}‏ الخ، وفي جعل سبب النزول ما ذكر خروج عن ذلك فتأمل‏.‏

وعليه تكون الآية دليلاً لمن منع تتبع التوراة ونحوها‏.‏ وروي هذا المنع عن عائشة رضي الله تعالى عنها‏.‏

أخرج ابن عساكر عن أبي مليكة قال‏:‏ أهدى عبد الله بن عامر بن ركن إلى عائشة رضي الله تعالى عنها هدية فظنت أنه عبد الله بن عمرو فردتها وقالت‏:‏ يتتبع الكتب وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب يتلى عَلَيْهِمْ‏}‏ فقيل لها‏:‏ إنه عبد الله بن عامر فقبلتها» وجاء في عدة أخبار ما يقتضي المنع، أخرج عبد الرزاق في المصنف‏.‏

والبيهقي في شعب الإيمان، عن الزهري أن حفصة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب من قصص يوسف في كتف فجعلت تقرؤه عليه والنبي عليه الصلاة والسلام يتلون وجهه فقال‏:‏ والذي نفسي بيده لو أتاكم يوسف وأنا بينكم فاتبعتموه وتركتموني ضللتم أنا حظكم من النبيين وأنتم حظى من الأمم‏.‏

وأخرج عبد الرزاق‏.‏ والبيهقي أيضاً عن أبي قلابة «أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مر برجل يقرأ كتاباً فاستمعه ساعة فاستحسنه فقال للرجل‏:‏ اكتب لي من هذا الكتاب قال‏:‏ نعم فاشتري أديما فهيأه ثم جاء به إليه فنسخ له في ظهره وبطنه ثم أتي النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقرؤه عليه وجعل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلون فضرب رجل من الأنصار الكتاب وقال‏:‏ ثكلتك أمك يا ابن الخطاب ألا ترى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ اليوم وانت تقرأ عليه هذا الكتاب فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك‏:‏ إنما بعثت فاتحاً وخاتماً وأعطيت جوامع الكلم وخواتمه واختصر لي الحديث اختصاراً فلا يهلكنكم المتهوكون» أي الواقعون في كل أمر بغير روية، وقيل‏:‏ المتحيرون إلى ذلك من الأخبار، وحقق بعضهم أن المنع إنما هو عند خوف فساد في الدين وذلك مما لا شبهة فيه في صدر الإسلام، وعليه تحمل الأخبار، وقد تقدم الكلام في ذلك فتذكر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏52‏]‏

‏{‏قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏52‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ كفى بالله بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً‏}‏ أي عالماً بما صدر عني من التبليغ والإنذار وبما صدر عنكم من مقابلتي بالتكذيب والإنكار فيجازي سبحانه كلا بما يليق به ‏{‏يَعْلَمُ مَا فِى السموات والارض‏}‏ أي من الأمور التي من جملتها شأني وشأنكم فهو تقرير لما قبله من كفايته تعالى شهيداً، وجوز أن يكون المعنى كفى به عز وجل شاهداً بصدقي أي مصدقاً لي فيما ادعيته بالمعجزات تصديق الشاهد لدعوى المدعى، وجملة ‏{‏يَعْلَمْ‏}‏ إما صفة ‏{‏شَهِيداً‏}‏ أو حال أو استئناف لتعليل كفايته، وقيل عليه‏:‏ إن هذا الوجه لا يلائمه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ‏}‏ سواء تعلق بكفي أو بشهيداً ولا قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏يَعْلَمُ مَا فِى السموات‏}‏ الخ، وفيه تأمل‏.‏

وقد يؤيد ذلك بما روي أن كعب بن الأشرف‏.‏ وأصحابه قالوا‏:‏ يا محمد من يشهد بأنك رسول الله‏؟‏ فنزلت ‏{‏قُلْ كفى‏}‏ الآية إلا أن في القلب من صحة هذه الرواية شيئاً لما أن السياق والسباق مع كفرة قريش فلا تغفل‏.‏

وأياً ما كان فلا منافاة بين هذه الآية، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وادعوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ الله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 32‏]‏ بناء على أن المعنى لا تستشهدوا بالله تعالى ولا تقولوا الله تعالى يشهد أن ما ندعيه حق كما يقوله العاجز عن إقامة البينة إما لأن الشهيد ههنا بمعنى العالم والكلام وعد ووعيد، وأما بمعنى المصدق بالمعجزات وليست الشهادة باحد المعنيين هناك‏.‏ والباء في ‏{‏بالله‏}‏ زائدة والاسم الجليل فاعل ‏{‏كفى‏}‏، وقال الزجاج‏:‏ أن الباء دخلت لتضمن كفى معنى اكتف فالباء كما قال اللقاني معدية لا زائدة، قال ابن هشام في المغنى‏:‏ وهو من الحسن بمكان ويصححه قولهم‏:‏ اتقى الله تعالى امرؤ فعل خيراً يثب عليه أي ليتق بدليل جزم يثب ويوجبه قولهم‏:‏ كفى بهند بترك التاء فإن احتج بالفاصل فهو مجوز لا موجب بدليل ‏{‏وما تسقط من ورقة‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 59‏]‏ فإن عورض بأحسن بهند فالتاء لا تلحق صيغ الأمر وإن كان معناها الخبر اه‏.‏

وتعقب ذلك الشيخ يس الحمصي في حواشيه على التصريح فقال‏:‏ أقول تفسير ‏{‏كفى‏}‏ على هذا القول باكتف غير صحيح إذ فاعل ‏{‏كفى‏}‏ حينئذ ضمير المخاطب، و‏{‏كفى‏}‏ ماض وهو لا يرفع ضمير المخاطب المستتر اه وفيه بعد بحث لا يخفى على المتأمل‏.‏

وظن بعض الناس أن ‏{‏كفى‏}‏ على هذا القول اسم فعل أمر يخاطب به المفرد المذكر وغيره نحو حي في حي على الصلاة فالمعنى هنا اكتفوا بالله، وأنت تعلم أن هذا بعيد الإرادة من كلام الزجاج ويأباه كلام ابن هشام، وقال ابن السراج‏:‏ الفاعل ضمير الاكتفاء، قال ابن هشام‏:‏ وصحة قوله موقوفة على جواز تعلق الجار بضمير المصدر وهو قول الفارسي‏.‏

والرماني أجازوا مروري بزيد حسن وهو بعمرو قبيح، وأجاز الكوفيون اعماله في الظرف وغيره، ومنع جمهور البصريين أعماله مطلقاً اه‏.‏

وتعقب ذلك ابن الصائغ فقال‏:‏ لا نسلم توقف الصحة على ذلك لجواز أن تكون الباء للحال، وعليه يكون المعنى ‏{‏كفى‏}‏ هو أي الاكتفاء حال كونه ملتبساً بالله تعالى، ولا يخفى أنه ما لم يبطل هذا القول لا يتم ما ادعاه ابن هشام من أن ترك التاء في كفى بهند يوجب كون كفى مضمناً معنى اكتفى فتدبر ‏{‏والذين ءامَنُواْ بالباطل‏}‏ قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما‏:‏ أي بغير الله عز وجل وهو شامل لنحو عيسى والملائكة عليهم السلام‏.‏

والباطل في الحقيقة عبادتهم وليس الباطل هنا مثله في قول حسان‏:‏

ألا كل شيء ما خلا الله باطل ***، وقال مقاتل‏:‏ أي بعبادة الشيطان، وقيل‏:‏ أي بالصنم ‏{‏وَكَفَرُواْ بالله‏}‏ مع تعاضد موجبات الإيمان به عز وجل ‏{‏أولئك هُمُ الخاسرون‏}‏ المغبونون في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان فاستوجبوا العقاب يوم الحساب، وفي الكلام على ما قيل‏:‏ استعارة مكنية شبه استبدال الكفر بالإيمان المستلزم للعقاب اشتراء مستلزم للخسران، وفي الخسران استعارة تخييلية هي قرينتها لأن الخسران متعارف في التجارات، وهذا الكلام ورد مورد الانصاف حيث لم يصرح بأنهم المؤمنون بالباطل الكافرون بالله عز وجل بل أبرزه في معرض العموم ليهجم به التأمل على المطلوب فهو كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَو إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِى ضلال مُّبِينٍ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 4 2‏]‏ وكقول حسان‏:‏

فشركما لخيركما الفداء *** وهذا من قبيل المجادلة بالتي هي أحسن‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏53‏]‏

‏{‏وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ‏(‏53‏)‏‏}‏

‏{‏وَيَسْتَعْجِلُونَكَ‏}‏ أي ويستعجلك كفار قريش ‏{‏بالعذاب‏}‏ على طريقة الاستهزاء والتعجيز والتكذيب به بقوله‏:‏ ‏{‏متى هذا الوعد‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 8 4‏]‏ وقولهم‏:‏ ‏{‏أمطر علينا حجارة أو ائتنا بعذاب‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 32‏]‏ ونحو ذلك ‏{‏وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى‏}‏ قد ضربه الله تعالى لعذابهم وسماه وأثبته في اللوح ‏{‏لَّجَاءهُمُ العذاب‏}‏ المعين لهم حسبما استعجلوا به، وقال ابن جبير‏:‏ المراد بالأجل يوم القيامة لما روي أنه تعالى وعد رسوله صلى الله عليه وسلم ان لا يعذب قومه بعذاب الاستئصال وأن يؤخر عذابهم إلى يوم القيامة، وقال ابن سلام‏:‏ والمراد به أجل ما بين النفختين، وقيل‏:‏ يوم بدر، وقيل‏:‏ وقت فنائهم بآجالهم، وفيه بعد ظاهر لما أنهم ما كانوا يوعدون بفنائهم الطبيعي ولا كانوا يستعجلون به ‏{‏وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ‏}‏ جملة مستأنفة مبينة لما أشير إليه في الجملة السابقة من مجيء العذاب عند حلول الأجل، أي وبالله تعالى ‏{‏ليأتينهم‏}‏ العذاب الذي عين لهم عند حلول الأجل ‏{‏الله بَغْتَةً‏}‏ أي فجأة ‏{‏وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ‏}‏ أي بإتيانه، ولعل المراد بإتيانه كذلك أنه لا يكون بطريق التعجيل عند استعجالهم والإجابة إلى مسؤولهم فإن ذلك إتيان برأيهم وشعورهم لا أنه يأتيهم وهم قارون آمنون لا يحظرونه بالبال كدأب بعض العقوبات النازلة على بعض الأمم بياتاً وهم نائمون أو ضحى وهم يلعبون لما أن إتيان عذاب الآخرة وعذاب يوم بدر ليس من هذا القبيل قاله بعضهم، وقال آخرون‏:‏ إتيانه كذلك من حيث أنه غير متوقع لهم وإتيان عذاب الآخرة ونحوه كذلك لإنكارهم البعض، وكذا عذاب القبر أو اعتقادهم شفاعة آلهتهم لهم في دفع العذاب عنهم، وكذا إتيان عذاب يوم بدر لأنهم لغرورهم كانوا لا يتوقعون غلبة المسلمين ولا تخطر لهم ببال على ما بين في السير‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏54‏]‏

‏{‏يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ‏(‏54‏)‏‏}‏

‏{‏يَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين‏}‏ استئناف مسوق لغاية تجهيلهم وركاكة رأيهم وهو ظاهر في أن ما استعجلوه عذاب الآخرة، وجملة ‏{‏إِنَّ جَهَنَّمَ‏}‏ الخ في موضع الحال أي يستعجلونك بالعذاب والحال أن محل العذاب الذي لا عذاب فوق محيط بهم كأنه قيل‏:‏ يستعجلونك بالعذاب وأن العذاب لمحيط بهم أي سيحيط بهم على إرادة المستقبل من اسم الفاعل، أو كالمحيط بهم الآن لإحاطة الكفر والمعاصي الموجبة إياه بهم على أن في الكلام تشبيهاً بليغاً أو استعارة أو مجازاً مرسلاً أو تجوزاً في الإسناد، وقيل‏:‏ إن الكفر والمعاصي هي النار في الحقيقة لكنها ظهرت في هذه النشأة بهذه الصورة، والمراد بالكافرين المستعجلون، ووضع الظاهر موضع الضمير للإشعار بعلة الحكم أو جنس الكفرة وهم داخلون فيه دخولاً أولياً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏55‏]‏

‏{‏يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏55‏)‏‏}‏

‏{‏يَوْمٍ يَغْشَاهُمُ العذاب‏}‏ ظرف لمضمر قد طوى ذكره إيذاناً بغاية كثرته وفظاعته كأنه قيل‏:‏ يوم يأتيهم ويجللهم العذاب الذي أشير إليه بإحاطة جهنم بهم يكون من الأحوال والأهوال ما لا يفي به المقال، وقيل‏:‏ ظرف لمحيطة على معنى وإن جهنم ستحيط بالكافرين يوم يغشاهم العذاب ‏{‏مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم‏}‏ أي من جميع جهاتهم فما ذكر للتعميم كما في الغدو والآصال، قيل‏:‏ وذكر الأرجل للدلالة على أنهم لا يقرون ولا يجلسون وذلك أشد العذاب ‏{‏وَيَقُولُ‏}‏ أي الله عز وجل، وقيل‏:‏ الملك الموكل بهم‏.‏

وقرأ ابن كثير‏.‏ وابن عامر‏.‏ والبصريون ‏{‏وَنَقُولُ‏}‏ بنون العظمة وهو ظاهر في أن القائل هو الله تعالى‏.‏

وقرأ أبو البرهسم ‏{‏وَتَقُولُ‏}‏ بالتاء على أن القائل جهنم، ونسب القول إليها هنا كما نسب في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 0 3‏]‏ وقرأ ابن مسعود‏.‏ وابن أبي عبلة ‏{‏ويقال‏}‏ مبنياً للمفعول ‏{‏وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ أي جزاء ما كنتم تعملونه في الدنيا على الاستمرار من السيئات التي من جملتها الاستعجال بالعذاب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏56 - 57‏]‏

‏{‏يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ‏(‏56‏)‏ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ‏(‏57‏)‏‏}‏

‏{‏تَعْمَلُونَ ياعبادى الذين ءامَنُواْ إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ فَإِيَّاىَ فاعبدون‏}‏ نزلت على ما روي عن مقاتل‏.‏ والكلبي في المستضعفين من المؤمنين بمكة أمروا بالهجرة عنها وعلى هذا أكثر المفسرين، وعمم بعضهم الحكم في كل من لا يتمكن من إقامة أمور الدين كما ينبغي في أرض لممانعة من جهة الكفرة أو غيرهم فقال‏:‏ تلزمه الهجرة إلى أرض يتمكن فيها من ذلك، وروي هذا عن ابن جبير‏.‏ وعطاء‏.‏ ومجاهد‏.‏ ومالك بن أنس، وقال مطرف بن الشخير‏:‏ إن الآية عدة منه تعالى بسعة الرزق في جميع الأرض، وعلى القولين فالمراد بالأرض الأرض المعروفة، وعن الجبائي أن الآية عدة منه عز وجل بإدخال الجنة لمن أخلص له سبحانه العبادة وفسر الأرض بأرض الجنة، والمعول عليه ما تقدم، والفاء في ‏{‏فإياي‏}‏ فاء التسبب عن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ‏}‏ كما تقول‏:‏ إن زيداً أخوك فأكرمه وكذلك لو قلت‏:‏ إنه أخوك فإن أمكنك فأكرمه، و‏{‏إياي‏}‏ معمول لفعل محذوف يفسره المذكور، ولا يجوز أن يكون معمولاً له لاشتغاله بضميره وذلك المحذوف جزاء لشرط حذف وعوض عنه هذا المعمول، والفاء في ‏{‏أَنَاْ فاعبدون‏}‏ هي الفاء الواقعة في الجزاء إلا أنه لما وجب حذفه جعل المفسر المؤكد له قائماً مقامه لفظاً وأدخل الفاء عليه إذ لا بد منها للدلالة على الجزاء، ولا تدخل على معمول المحذوف أعني إياي وإن فرض خلوه عن فاء لتمحضه عوضاً عن فعل الشرط فتعين الدخول على المفسر؛ وأيضاً ليطابق المذكور المحذوف من كل وجه، ولزم أن يقدر الفعل المحذوف العامل في ‏{‏إياي‏}‏ مؤخراً لئلا يفوت التعويض عن فعل الشرط مع إفادة ذلك معنى الاختصاص والإخلاص، فالمعنى إن أرضي واسعة فإن لم تخلصوا لي العبادة في أرض فأخلصوها لي في غيرها، وجعل الشرط إن لم تخلصوا لدلالة الجواب المذكور عليه، ولا منع من أن تكون الفاء الأولى واقعة في جواب شرط آخر ترشيحاً للسببية على معنى أن أرضي واسعة وإذا كان كذلك فإن لم تخلصوا لي الخ، وقيل‏:‏ الفاء الأولى جواب شرط مقدر وأما الثانية فتكرير ليوافق المفسر المفسر، فيقال حينئذٍ‏:‏ المعنى إن أرضي واسعة إن لم تخلصوا لي العبادة في أرض فأخلصوها لي في غيرها، وتكون جملة الشرط المقدرة أعني إن لم تخلصوا الخ مستأنفة عرية عن الفاء، وما تقدم أبعد مغزى‏.‏ وجعل بعض المحققين الفاء الثانية لعطف ما بعدها على المقدر العامل في ‏{‏إياي‏}‏ قصداً لنحو الاستيعاب كما في خذ الأحسن فالأحسن‏.‏ وتعقب بأنه حينئذٍ لا يصلح المذكور مفسراً لعدم جوام تخلل العاطف بين مفسر ومفسر البتة، وأما ما ذكره الإمام السكاكي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاحِدٌ فإياي فارهبون‏}‏ من أن الفاء عاطفة والتقدير فإياي ارهبوا فارهبون فإنه أراد به أنها في الأصل كذلك لا في الحال على ما حققه صاحب الكشف، هذا وقد أطالوا الكلام في هذا المقام وقد ذكرنا نبذة منه في أوائل تفسير سورة البقرة فراجعه مع ما هنا وتأمل والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل ‏{‏كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ‏}‏ جملة مستأنفة جىء بها حثاً على إخلاص العبادة والهجرة لله تعالى حيث أفادت أن الدنيا ليست دار بقاء وأن وراءها دار الجزاء أي كل نفس من النفوس واجدة مرارة الموت ومفارقة البدن البتة فلا بد أن تذوقوه ثم ترجعون إلى حكمنا وجزائنا بحسب أعمالكم فمن كانت هذه عاقبته فلا بد له من التزود والاستعداد، وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذَائِقَةُ الموت‏}‏ استعارة لتشبيه الموت بأمر كريه الطعم مرة، والعدول عن تذوق الموت للدلالة على التحقق، و‏{‏ثُمَّ‏}‏ للتراخي الزماني أو الرتبي‏.‏ وقرأ أبو حيوة ‏{‏ذَائِقَةُ‏}‏ بالتنوين ‏{‏الموت‏}‏ بالنصب، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه ‏{‏تُرْجَعُونَ‏}‏ مبنياً للفاعل، وروى عاصم ‏{‏يَرْجِعُونَ‏}‏ بياء الغيبة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏58‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ‏(‏58‏)‏‏}‏

‏{‏والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ أي لننزلنهم على وجه الإقامة، وجملة القسم وجوابه خبر المبتدأ أعني ‏{‏يَتَذَكَّرُونَ الذين‏}‏ ورد به وبأمثاله على ثعلب المانع من وقوع جملة القسم والمقسم عليه خبراً للمبتدأ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مّنَ الجنة غُرَفَاً‏}‏ أي علالي وقصوراً جليلة لا قصور فيها، وهي على ما روي عن ابن عباس من الدر والزبرجد والياقوت، مفعول ثان للتبوئة‏.‏

وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه‏.‏ وعبد الله‏.‏ والربيع بن خيثم‏.‏ وابن وثاب‏.‏ وطلحة‏.‏ وزيد بن علي‏.‏ وحمزة‏.‏ والكسائي ‏{‏لنثوينهم‏}‏ بالثاء المثلثة الساكنة بعد النون وإبدال الهمزة ياء من الثواء بمعنى الإقامة فانتصاب ‏{‏الجنة غُرَفَاً‏}‏ حينئذٍ إما بإجرائه مجرى لننزلنهم فهو مفعول به له أو بنزع الخافض على أن أصله بغرف فلما حذف الجار انتصب أو على أنه ظرف والظرف المكاني إذا كان محدوداً كالدار والغرفة لا يجوز نصبه على الظرفية إلا أنه أجرى هنا مجرى المبهم توسعاً كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 6 1‏]‏ على ما فصل في النحو‏.‏

وروي عن ابن عامر أنه قرأ ‏{‏غُرَفَاً‏}‏ بضم الراء ‏{‏تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار‏}‏ صفة لغرفاً ‏{‏خالدين فِيهَا‏}‏ أي في الغرف، وقيل‏:‏ في الجنة ‏{‏نِعْمَ أَجْرُ العاملين‏}‏ أي الأعمال الصالحة والمخصوص بالمدح محذوف ثقة بدلالة ما قبله عليه أي نعم أجري العاملين الغرف أو أجرهم، ويجوز كون التمييز محذوفاً أي نعم أجراً أجر العاملين‏.‏ وقرأ ابن وثاب ‏{‏فَنِعْمَ‏}‏ بفاء الترتيب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏59‏]‏

‏{‏الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ‏(‏59‏)‏‏}‏

‏{‏الذين صَبَرُواْ‏}‏ صفة للعاملين أو خبر مبتدأ محذوف أو نصب على المدح أي صبروا على أذية المشركين وشدائد المهاجرة وغير ذلك من المحن والمشاق ‏{‏وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‏}‏ أي ولم يتوكلوا فيما يأتون ويذرون إلا على الله تعالى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏60‏]‏

‏{‏وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏60‏)‏‏}‏

‏{‏وَكَأَيّن مّن دَابَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ‏}‏ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المؤمنين الذين كانوا بمكة بالمهاجرة إلى المدينة قالوا‏:‏ كيف نقدم بلدة ليس لنا فيها معيشة‏؟‏ فنزلت، أي وكم من دابة لا تطيق حمل رزقها لضعفها أو لا تدخره وإنما تصبح ولا معيشة عندها‏.‏ عن ابن عيينة ليس شيء يخبأ إلا الإنسان والنملة والفأرة، وعن ابن عباس لا يدخر إلا الآدمي والنمل والفأرة والعقعق ويقال‏:‏ للعقعق مخابي إلا أنه ينساها، وعن بعضهم رأيت البلبل يحتكر في حضنيه والظاهر عدم صحته، وذكر لي بعضهم أن أغلب الكوامن من الطير يدخر والله تعالى أعلم بصحته‏.‏

‏{‏الله يَرْزُقُهَا وإياكم‏}‏ ثم إنها مع ضعفها وتوكلها وإياكم مع قوتكم واجتهادكم سواء في أنه لا يرزقها وإياكم إلا الله تعالى لأن رزق الكل بأسباب هو عز وجل المسبب لها وحده فلا تخافوا على معاشكم بالمهاجرة ولما كان المراد إزالة ما في أوهامهم من الهجرة على أبلغ وجه قيل‏:‏ ‏{‏يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ‏}‏ دون يرزقكم وإياها ‏{‏وَهُوَ السميع‏}‏ البالغ في السمع فيسمع قولكم هذا ‏{‏العليم‏}‏ البالغ في العلم فيعلم ما انطوت عليه ضمائركم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏61‏]‏

‏{‏وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ‏(‏61‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ‏}‏ أي أهل مكة ‏{‏مِنْ خلاق السموات والارض وَسَخَّرَ الشمس والقمر لَيَقُولُنَّ الله‏}‏ إذ لا سبيل لهم إلى إنكاره ولا التردد فيه، والاسم الجليل مرفوع على الابتداء والخبر محذوف لدلالة السؤال عليه أو على الفاعلية لفعل محذوف لذلك أيضاً ‏{‏فأنى يُؤْفَكُونَ‏}‏ إنكار واستبعاد من جهته تعالى لتركهم العمل بموجبه، والفاء للترتيب أو واقعة في جواب شرط مقدر أي إذا كان الأمر كذلك فكيف يصرفون عن الإقرار بتفرده عز وجل في الألوهية مع إقرارهم بتفرده سبحانه فيما ذكر من الخلق والتسخير‏.‏

وقدر بعضهم الشرط فإن صرفهم الهوى والشيطان لمكان بناء ‏{‏يُؤْفَكُونَ‏}‏ للمفعول، ولعل ما ذكرناه أولى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏62‏]‏

‏{‏اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏62‏)‏‏}‏

‏{‏الله يَبْسُطُ يَهَبُ لِمَن يَشَاء‏}‏ أن يبسطه له لا غيره ‏{‏مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ‏}‏ أي يضيق عليه، والضمير عائد على ‏{‏مَن يَشَآء‏}‏ الذي يبسط له الرزق أي عائد عليه مع ملاحظة متعلقه فيكون المعنى أنه تعالى شأنه يوسع على شخص واحد رزقه تارة ويضيقه عليه أخرى، والواو لمطلق الجمع فقد يتقدم التضييق على التوسيع أو عائد على ‏{‏مَن يَشَآء‏}‏ بقطع النظر عن متعلقه فالمراد من يشاء آخر غير المذكور فهو نظير عندي درهم ونصفه أي نصف درهم آخر، وهذا قريب من الاستخدام، فالمعنى أنه تعالى شأنه يوسع على بعض الناس ويضيق على بعض آخر، وقرأ علقمة ‏{‏وَيَقْدِرُ‏}‏ بضم الياء وفتح القاف وشد الدال ‏{‏أَنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ‏}‏ فيعلم أن كلاً من البسط والقدر في أي وقت يوافق الحكمة والمصلحة فيفعل كلاً منهما في وقته أو فيعلم من يليق ببسط الرزق فيبسطه له ومن يليق بقدره له فيقدر له، وهذه الآية أعني قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الله يَبْسُطُ‏}‏ الخ تكميل لمعنى قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏الله يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 0 6‏]‏ لأن الأول كلام في المرزوق وعمومه وهذا كلام في الرزق وبسطه وقتره، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ‏}‏ الخ معترض لتوكيد معنى الآيتين وتعريض بأن الذين اعتمدتم عليهم في الرزق مقرون قدرتنا وبقوتنا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله هُوَ الرزاق ذُو القوة المتين‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 8 5‏]‏ قاله العلامة الطيبي‏.‏

وقال صاحب الكشف قدس سره‏:‏ اعترض ليفيد أن الخالق هو الرزاق وأن من أفاض ابتداء وأوجد أولى أن يقدر على الإبقاء وأكد به ما ضمن في قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 99‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏63‏]‏

‏{‏وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ‏(‏63‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ السماء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الارض مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ الله‏}‏ معترفين بأنه عز وجل الموجد للمكنات بأسرها أصولها وفروعها ثم إنهم يشركون به سبحانه بعض مخلوقاته الذي لا يكاد يتوهم منه القدرة على شيء ما أصلاً ‏{‏قُلِ الحمد لِلَّهِ‏}‏ على إظهار الحجة واعترافهم بما يلزمهم، وقيل‏:‏ حمده عليه الصلاة والسلام على العصمة مما هم عليه من الضلال حيث أشركوا مع اعترافهم بأن أصول النعم وفروعها منه جل جلاله فيكون كالحمد عند رؤية المبتلي، وقيل‏:‏ يجوز أن يكون حمداً على هذا وذاك ‏{‏بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ‏}‏ ما يقولون وما فيه من الدلالة على بطلان الشرك وصحة التوحيد أو لا يعقلون شيئاً من الأشياء فلذلك لا يعملون بمقتضى قولهم هذا فيشركون به سبحانه أخس مخلوقاته، قيل‏:‏ إضراب عن جهلهم الخاص في الإتيان بما هو حجة عليهم إلى أن ذلك لأنهم مسلوبو العقول فلا يبعد عنهم مثله، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ الحمد لِلَّهِ‏}‏ معترض وجعله الزمخشري في سورة لقمان إلزاماً وتقريراً لاستحقاقه تعالى العبادة، وقيل‏:‏ ‏{‏لاَ يَعْقِلُونَ‏}‏ ما تريد بتحميدك عند مقالهم ذلك، ولم يرتضه بعض المحققين لخفائه وقلة جدواه وتكلف توجيه الإضراب فيه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏64‏]‏

‏{‏وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ‏(‏64‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَا هذه الحياة الدنيا‏}‏ إشارة تحقير وكيف لا والدنيا لا تزن عند الله تعالى جناح بعوضة، فقد أخرج الترمذي عن سهل بن سعد قال‏:‏ «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كانت الدنيا تعدل عند الله تعالى جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء»‏.‏

وقال بعض العارفين‏:‏ الدنيا أحقر من ذراع خنزير ميت بال عليها كلب بيد مجذوم، ويعلم مما ذكر حقارة ما فيها من الحياة بالطريق الأولى ‏{‏إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ‏}‏ أي إلا كما يلهو ويلعب به الصبيان يجتمعون عليه ويبتهجون به ساعة ثم يتفرقون عنه، وهذا من التشبيه البليغ ‏{‏وَإِنَّ الدار الاخرة لَهِىَ الحيوان‏}‏ أي لهي دار الحياة الحقيقية إذ لا يعرض الموت والفناء لمن فيها أو هي ذاتها حياة للمبالغة، و‏{‏الحيوان‏}‏ مصدر حي سمي به ذو الحياة في غير هذا المحل، وأصله حييان فقلبت الياء الثانية واواً على خلاف القياس فلامه ياء وإلى ذلك ذهب سيبويه‏.‏

وقيل‏:‏ إن لامه واو نظراً إلى ظاهر الكلمة وإلى حياة علم رجل، ولا حجة على كونه ياءً في حي لأن الواو في مثله تبدل ياء لكسر ماقبلها نحو شقي من الشقوة، وهو أبلغ من الحياة لما في بناء فعلان من معنى الحركة والاضطراب اللازم للحياة ولذلك اختير عليها في هذا المقام المقتضي للمبالغة وقد علمتها في وصف الحياة الدنيا المقابلة للدار الآخرة ‏{‏لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ‏}‏ شرط جوابه محذوف أي لو كانوا يعلمون لما آثروا عليها الدنيا التي أصلها عدم الحياة، ثم ما يحدث فيها من الحياة فيها عارضة سريعة الزوال وشيكة الاضمحلال وكون ‏{‏لَوْ‏}‏ للتمني بعيد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏65‏]‏

‏{‏فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ‏(‏65‏)‏‏}‏

‏{‏فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الفلك‏}‏ متصل بما دل عليه شرح حالهم، والركوب الاستعلاء على الشيء المتحرك وهو متعد بنفسه كما في ‏{‏لِتَرْكَبُوهَا‏}‏ واستعماله ههنا وفي أمثاله نفي للإيذان بأن المركوب في نفسه من قبيل الأمكنة وحركته قسرية غير إرادية، والفاء للتعقب وفي الكلام معنى الغاية فكأنه قيل‏:‏ هم مصروفون عن توحيد الله تعالى مع إقرارهم بما يقتضيه لاهون بما هو سريع الزوال ذاهلون عن الحياة الأبدية حتى إذا ركبوا في الفلك ولقوا الشدائد ‏{‏دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين‏}‏ أي كائنين في صورة من أخلص دينه وملته أو طاعته من المؤمنين حيث لا يذكرون إلا الله تعالى ولا يدعون سواه سبحانه لعلمهم بأنه لا يكشف الشدائد إلا هو عز وجل، وفيه تهكم به سواء أريد بالدين الملة أو الطاعة أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأنهم لا يستمرون على هذه الحال فهي قبيحة باعتبار المآل ‏{‏فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ‏}‏ أي فاجؤوا المعاودة إلى الشرك ولم يتأخروا عنها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏66‏]‏

‏{‏لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ‏(‏66‏)‏‏}‏

‏{‏لِيَكْفُرُواْ بِمَا ءاتيناهم وَلِيَتَمَتَّعُواْ‏}‏ الظاهر أن اللام في الموضعين لام كي أي يشركون ليكونوا كافرين بما آتيناهم من نعمة النجاة بسبب شركهم وليتمتعوا باجتماعهم على عبادة الأصنام وتوادهم عليها فالشرك سبب لهذا الكفران، وأدخلت لام كي على مسببه لجعله كالغرض لهم منه فهي لام العاقبة في الحقيقة، وقيل‏:‏ اللام فيهما لام الأمر والأمر بالكفران والتمتع مجاز في التخلية والخذلان والتهديد كما تقول عند الغضب على من يخالفك‏:‏ افعل ما شئت، ويؤيده قراءة ابن كثير‏.‏ والأعمش‏.‏ وحمزة‏.‏ والكسائي ‏{‏وَلِيَتَمَتَّعُواْ‏}‏ بسكون اللام فإن لام كي لا تسكن، وإذا كانت الثانية لذلك لام الأمر فالأولى مثلها ليتضح العطف، وتخالفهما محوج إلى التكلف بأن يكون المراد كما قال أبو حيان عطف كلام على كلام لا عطف فعل على فعل، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ‏}‏ أي عاقبة ذلك حين يعاقبون عليه يوم القيامة مؤيد للتهديد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏67‏]‏

‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ‏(‏67‏)‏‏}‏

‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْاْ‏}‏ ألم ينظروا ولم يشاهدوا ‏{‏إِنَّا جَعَلْنَا‏}‏ أي بلدهم ‏{‏حَرَماً‏}‏ مكاناً حرم فيه كثير مما ليس بمحرم في غيره من المواضع ‏{‏ءامَنَّا‏}‏ أهله عما يسوءهم من السبي والقتل على أن أمنه كناية عن أمن أهله أو على أن الإسناد مجازي أو على أن في الكلام مضافاً مقدراً، وتخصيص أهل مكة وأن أمن كل من فيه حتى الطيور والوحوش لأن المقصود الامتنان عليهم ولأن ذلك مستمر في حقهم‏.‏ وأخرج جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أن أهل مكة قالوا‏:‏ يا محمد ما يمنعنا أن ندخل في دينك إلا مخافة أن يتخطفنا الناس لقلتنا والعرب أكثر منا فمتى بلغهم أنا قد دخلنا في دينك اختطفنا فكلنا أكلة رأس فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً‏}‏ ‏{‏وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ‏}‏ يختلسون من حولهم قتلاً وسبياً إذ كانت العرب حوله في تغاور وتناهب، والظاهر أن الجملة حالية بتقدير مبتدأ أي وهم يتخطف الخ ‏{‏أفبالباطل يُؤْمِنُونَ‏}‏ أن أبعد ظهور الحق الذي لا ريب فيه أو أبعد هذه النعمة المكشوفة وغيرها بالصنم، وقيل‏:‏ بالشيطان يؤمنون ‏{‏وَبِنِعْمَةِ الله يَكْفُرُونَ‏}‏ وهي المستوجبة للشكر حيث يشركون به تعالى غيره سبحانه، وتقديم الصلة في الموضعين للاهتمام بها لأنها مصب الإنكار أو للاختصاص على طريق المبالغة لأن الإيمان إذا لم يكن خاصاً لا يعتد به ولأن كفران غير نعمته عز وجل بجنب كفرانها لا يعد كفراناً‏.‏

وقرأ السلمي‏.‏ والحسن ‏{‏تُؤْمِنُونَ وَتَكْفُرُونَ‏}‏ بتاء الخطاب فيهما‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏68‏]‏

‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ‏(‏68‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا‏}‏ بأن زعم أن له سبحانه شريكاً وكونه كذباً على الله تعالى لأنه في حقه فهو كقولك‏:‏ كذب على زيد إذا وصفه بما ليس فيه ‏{‏أَوْ كَذَّبَ بالحق‏}‏ يعني الرسول أو الكتاب ‏{‏لَمَّا جَاءهُ‏}‏ أي حين مجيئه إياه، وفيه تسفيه لهم حيث لم يتأملوا ولم يتوقفوا حين جاءهم بل سارعوا إلى التكذيب أول ما سمعوه‏.‏

‏{‏أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى للكافرين‏}‏ أي ثواء وإقامة لهم أو مكان يثوون فيه ويقيمون، والكلام على كلا الوجهين تقرير لثوائهم في جهنم لأن الاستفهام فيه معنى النفي وقد دخل على نفي ونفي النفي إثبات كما في قول جرير‏:‏

ألستم خير من ركب المطايا *** واندى العالمين بطون راح

أي ألا يستوجبون الثواء أو المكان الذي يثوى فيه فيها وقد افتروا مثل هذا الكذب على الله تعالى وكذبوا بالحق مثل هذا التكذيب أو إنكار واستبعاد لاجترائهم على ما ذكر من الافتراء والتكذيب مع علمهم بحال الكفرة أي ألم يعلموا أن في جهنم مثوى للكافرين حتى اجترؤا هذه الجرأة، وجعلهم عالمين بذلك لوضوحه وظهوره فنزلوا منزلة العالم به، والتعريف في ‏{‏الكافرين‏}‏ على الأول‏:‏ للعهد فالمراد بهم أولئك المحدث عنهم وهم أهل مكة، وأقيم الظاهر مقام الضمير لتعليل استيجابهم المثوى، ولا ينافي كون ظاهره أن العلة افتراؤهم وتكذيبهم لأنه لا يغايره والتعليل يقبل التعدد، وعلى الثاني‏:‏ للجنس فالمراد مطلق جنس الكفرة ويدخل أولئك فيه دخولاً أولياً برهانياً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏69‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏69‏)‏‏}‏

‏{‏والذين جاهدوا فِينَا‏}‏ في شأننا ومن أجلنا ولوجهنا خالصاً ففيه مضاف مقدر، وقيل‏:‏ لا حاجة إلى التقدير بحمل الكلام على المبالغة بجعل ذات الله سبحانه مستقر للمجاهدة وأطلقت المجاهدة لتعم مجاهدة الأعادي الظاهرة والباطنة بأنواعهما ‏{‏لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا‏}‏ سبل السير إلينا والوصول إلى جنابنا، والمراد نزيدنهم هداية إلى سبل الخير وتوفيقاً لسلوكها فإن الجهاد هداية أو مرتب عليها، وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 17‏]‏ وفي الحديث «من عمل بما علم ورثه الله تعالى علم ما لم يعلم»

ومن الناس من أول ‏{‏جاهدوا‏}‏ بأرادوا الجهاد وأبقى ‏{‏لَنَهْدِيَنَّهُمْ‏}‏ على ظاهره، وقال السدي‏:‏ المعنى والذين جاهدوا بالثبات على الإيمان لنهدينهم سبلنا إلى الجنة، وقيل‏:‏ المعنى والذين جاهدوا في الغزو لنهدينهم سبل الشهادة والمغفرة، وما ذكر أولاً أولى، والموصول مبتدأ وجملة القسم وجوابه خبره نظير ما مر من قوله‏:‏ ‏{‏والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُبَوّئَنَّهُمْ مّنَ الجنة غُرَفَاً‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 8 5‏]‏‏.‏

‏{‏وَأَنَّ الله‏}‏ المتصف بجميع صفات الكمال الذي بلغت عظمته في القلوب ما بلغت ‏{‏لَمَعَ المحسنين‏}‏ معية النصرة والمعونة وتقدم الجهاد المحتاج لهما قرينة قوية على إرادة ذلك، وقال العلامة الطيبي‏:‏ إن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَمَعَ المحسنين‏}‏ قد طابق قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏جاهدوا‏}‏ لفظاً ومعنى، أما اللفظ فمن حيث الإطلاق في المجاهدة والمعية، وأما المعنى فالمجاهد للأعداء يفتقر إلى ناصر ومعين، ثم إن جملة قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله لَمَعَ المحسنين‏}‏ تذييل للآية مؤكد بكلمتي التوكيد محلى باسم الذات ليؤذن بأن من جاهد بكليته وشراشره في ذاته جل وعلا تجلى له الرب عز اسمه الجامع في صفة النصرة والإعانة تجلياً تاماً، ثم إن هذه خاتمة شريفة للسورة لأنها مجاوبة لمفتتحها ناظرة إلى فريدة قلادتها ‏{‏أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 2‏]‏ لامحة إلى واسطة عقدها ‏{‏ياعبادى الذين ءامَنُواْ إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ فَإِيَّاىَ فاعبدون‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 6 5‏]‏ وهي في نفسها جامعة فاذة اه‏.‏ و‏{‏ءالَ‏}‏ في المحسنين يحتمل أن تكون للعهد فالمراد بالمحسنين الذين جاهدوا، ووجه إقامة الظاهر مقام الضمير ظاهر وإلى ذلك ذهب الجمهور، ويحتمل أن يكون للجنس فالمراد بهم مطلق جنس من أتى بالأفعال الحسنة ويدخل أولئك دخولاً أولياً برهانياً‏.‏ وقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه فسر ‏{‏المحسنين‏}‏ بالموحدين وفيه تأييد ما للاحتمال الثاني والله تعالى أعلم‏.‏

ومن باب الإشارة في الآيات‏:‏ ‏{‏أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 2‏]‏ الآية قال ابن عطاء‏:‏ ظن الخلق أنهم يتركون مع دعاوى المحبة ولا يطالبون بحقائقها وهي صب البلاء على المحب وتلذذه بالبلاء الظاهر والباطن، وهذا كما قال العارف ابن الفارض قدس سره‏:‏

وتعذيبكم عذب لدى وجوركم *** علي بما يقضي الهوى لكم عدل

وذكروا أن المحبة والمحنة توأمان وبالامتحان يكرم الرجل أو يهان ‏{‏وَمِنَ الناس مَن يِقُولُ ءامَنَّا بالله فَإِذَا أُوذِىَ فِى الله جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 0 1‏]‏ إشارة إلى حال الكاذبين في دعوى المحبة وهم الذين يصرفون عنها بأذى الناس لهم ‏{‏إِنَّ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فابتغوا عِندَ الله الرزق واعبدوه واشكروا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 7 1‏]‏ قال ابن عطاء‏:‏ أي اطلبوا الرزق بالطاعة والإقبال على العبادة، وقال سهل‏:‏ اطلبوه في التوكل لا في المكسب فإن طلب الرزق فيه سبيل العوام ‏{‏وَقَالَ إِنّى مُهَاجِرٌ إلى رَبّى‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 6 2‏]‏ أي مهاجر من نفسي ومن الكون إليه عز وجل، وقال ابن عطاء‏:‏ أي راجع إلى ربي من جميع مالي وعلي، والرجوع إليه عز وجل بالانفصال عما دونه سبحانه، ولا يصح لأحد الرجوع إليه تعالى وهو متعلق بشيء من الكون بل لا بد أن ينفصل من الأكوان أجمع ‏{‏وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ المنكر‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 9 2‏]‏ سئل الجنيد قدس سره عن هذه الآية فقال‏:‏ كل شيء يجتمع الناس عليه إلا الذكر فهو منكر ‏{‏مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَاء كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 1 4‏]‏ أشار سبحانه وتعالى إلى من اعتمد على غير الله عز وجل في أسباب الدنيا والآخرة فهو منقطع عن مراده غير واصل إليه، قال ابن عطاء‏:‏ من اعتمد شيئاً سوى الله تعالى كان هلاكه في نفس ما اعتمد عليه، ومن اتخذ سواه عز وجل ظهيراً قطع عن نفسه سبيل العصمة ورد إلى حوله وقوته‏.‏

‏{‏وَتِلْكَ الامثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العالمون‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 3 4‏]‏ فيه إشارة إلى أن دقائق المعارف لا يعرفها إلا أصحاب الأحوال العالمون به تعالى وبصفاته وسائر شؤونه سبحانه لأنهم علماء المنهج، وذكر أن العالم على الحقيقة من يحجزه علمه عن كل ما يبيحه العلم الظاهر، وهذا هو المؤيد عقله بأنوار العلم اللدني ‏{‏اتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب‏}‏ ذكر أن حقيقة الصلاة حضور القلب بنعت الذكر والمراقبة بنعت الفكر فالذكر في الصلاة يطرد الغفلة التي هي الفحشاء والفكر يطرد الخواطر المذمومة وهي المنكر، هذا في الصلاة وبعدها تنهى هي إذا كانت صلاة حقيقية وهي التي انكشف فيها لصاحبها جمال الجبروت وجلال الملكوت وقرت عيناه بمشاهدة أنوار الحق جل وعلا عن رؤية الأعمال والأعواض، وقال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه‏:‏ الصلاة إذا كانت مقبولة تنهى عن مطالعات الأعمال والأعواض ‏{‏وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 5 4‏]‏ قال ابن عطاء‏:‏ أي ذكر الله تعالى لكم أكبر من ذكركم له سبحانه لأن ذكره تعالى بلا علة وذكركم مشوب بالعلل والأماني والسؤال، وأيضاً ذكره تعالى صفته وذكركم صفتكم ولا نسبة بين صفة الخالق جل شأنه وبين صفة المخلوق وأين التراب من رب الأرباب

‏{‏بَلْ هُوَ ءايات بينات فِى صُدُورِ الذين أُوتُواْ العلم‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 9 4‏]‏ فيه إشارة إلى أن عرائس حقائق القرآن لا تنكشف إلا لأرواح المقربين من العارفين والعلماء الربانيين لأنها أماكن أسرار الصفات وأوعية لطائف كشوف الذات، قال الصادق على آبائه وعليه السلام‏:‏ لقد تجلى الله تعالى في كتابه لعباده ولكن لا يبصرون ‏{‏ياعبادى الذين ءامَنُواْ إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ فَإِيَّاىَ فاعبدون‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 6 5‏]‏ قال سهل‏:‏ إذا عمل بالمعاصي والبدع في أرض فاخرجوا منها إلى أرض المطيعين، وكأن هذا لئلا تنعكس ظلمة معاصي العاصين على قلوب الطائعين فيكسلوا عن الطاعة، وذكروا أن سفر المريد سبب للتخلية والتحلية، وإليه الإشارة بما أخرجه الطبراني والقضاعي، والشيرازي في الألقاب، والخطيب، وابن النجار، والبيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «سافروا تصحوا وتغنموا كل نفس ذائقة الموت فلا يمنعنكم خوف الموت من السفر» ‏{‏وَكَأَيّن مّن دَابَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا الله يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 0 6‏]‏ فلا يمنعنكم عنه فقد الزاد أو العجز عن حمله ‏{‏والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا‏}‏ قال ابن عطاء‏:‏ أي الذين جاهدوا في رضانا لنهدينهم إلى محل الرضا، والمجاهدة كما قال‏:‏ الافتقار إلى الله تعالى بالانقطاع عن كل ما سواه، وقال بعضهم‏:‏ أي الذين شغلوا ظواهرهم بالوظائف لنوصلن أسرارهم إلى اللطائف، وقيل‏:‏ أي الذين جاهدوا نفوسهم لأجلنا وطلبا لنا لنهدينهم سبل المعرفة بنا والوصول إلينا، ومن عرف الله تعالى عرف كل شيء ومن وصل إليه هان عنده كل شيء، كان عبد الله بن المبارك يقول‏:‏ من اعتاصت عليه مسألة فليسأل أهل الثغور عنها لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا‏}‏ ‏(‏العنكبوت؛ 96‏)‏ وجهاد النفس هو الجهاد الأكبر نسأل الله تعالى التوفيق لما يحب ويرضى والحفظ التام من كل شر بحرمة حبيبه سيد البشر صلى الله عليه وسلم‏.‏